Connect with us

العدالة للمغرب

إنهم يألمون 4 والأخير: البصمة

إنهم يألمون 4 والأخير: البصمة

بواسطة
تاريخ النشر



إنهم يألمون 4 والأخير: البصمة

للكاتب زكرياء بوغرارة – المعتقل الإسلامي سابقا وتم اعتقاله من جديد حديثا

 

ببطئ تحرك الموكب الجنائزي الصامت .. وأخيرا وصل الجلادون بضحيتهم ليمثل في حضرة الحاج لكبير الذي لا يرى…

رحلة بؤس وشقاء وألم أقسى  ما فيها ذلك الألم النفسي الفظيع القاتل

ذاب بين جوانحه كل ماهو صلب تبدد كفقاعات  الهواء الزائغة .. لم يعد يعيش في عالم يزوده بالأحلام داخل عتمة السجن المركزي القنيطرة  هنا لاشيء سوى الكوابيس  ودبابيس الألم

أدخلوه لغرفة سوداء مجهولة ملأى بالدخان المتطاير من السجائر واللفافات الملغومة.. أجلسوه القرفصاء ثم ساد الصمت

في العتمة يصبح الصمت سيدا كالسوط.. إنها لعبة الصمت القاتلة

توقف تلقائيا عن التفكير.. العتمة علمته في رحلة الشقاء كيف يكون السكون هو البراعة عند احتدام الألم .. في لحظة فارقة  حاول  أن يتحسس قلبه.. لم يتمكن  من الحركة القيود تمنعه من أي حركة.. كان به شوق جارف يدعوه لتلمس قلبه وجس نبضاته ليحثه على السكينة والهدوء قبل  أن يتسرب إليه القلق …. هادم اللحظات..

تلك النفحات الهادئة المنسابة إلى الأعماق تهديه وتضيء كالقبس ظلمات العتمة فلا يتعثر وإن تعثر لايجثم في عثرته إنما ينفض عنه الغبار ويمضي لشأوه الى الغاية.. إستغرق في تسابيح شتى  أصبح لسانه معها رطبا بذكر الله  “” ألا بذكر الله  تطمئن القلوب “”

إستشعر تلك اللحظات معاني سامية مع الله.. الله معه في قلبه

بدت أمام عينيه رغم السواد الذي يلفه كخيوط من نور  يضيء المكان

بدت الكلمات الذهبية المشعة امامه “” يحبهم ويحبونه””

هكذا خيل له وقتها.. إنه في عالم خارج الحس والمادة..

استرسل في الذكر بلطف ونداوة..

قال الجلادبصوته المعهود

“” بم تهرطق””

لاشيء… هكذا قال

“” شفتاك  لايفتران عن الحركة  ماذا تتمتم””

أذكر الله…

“” أسكوووت … يا لخرا …””

قالها الجلاد وكأن به مسا من الشيطان

ساد الصمت للحظات حينها عصفت به مشاعر شتى  هي هزيج مريج من الغضب والحنق حديث نفسي راوده حينها

“” إذا أجبته فرجت عنه .. فلأدعه  يموت  بكمده ويحترق “”

جمع شتات نفسه ولملم شعته ثم واصل الذكر والسياحة في ملكوت الله البعيد….

ظل فم الجلاد فاغرا في ابتسامة جامدة لاتنطفئ ثم قال بحنق مر

“” اسكووت ,, سد فمك…””

لاتحرك شفتيك…

“” سأذكر ربي في نفسي””

قالها وكأنما الرجل رمى عن كاهله عبئا ثقيلا قد أرهقه وانتابته هذه اللحظات مشاعر من عدم الإكتراث

“” راسك قاسح.. هنا سنحطمه “””1

هكذا أزبد الجلاد وأرغى معه الجلاوزة

عدم الاكتراث هذا هو طريق الخلاص من وعيد الجلاد

تنفس الصعداء وهو يغمغم

“” لاشيء يهم .. الدكاكا  أنا فيها …””2

من زمن بعيد وهو يحمل الهم.. آن له ان يتخفف من الهم والغم والعذاب والأرق وليالي السهاد

كل الدنيا أصغر من جناح باعوضة.. عند الله  .. لاشيء يهم فيها الحقراء وحدهم لايفهمون معنى الألم .. الألم الذي يجعلنا كبارا ويعلمنا  ان نكون كبارا بقامات باسقة.. إنهم لايدركون معنى الألم المشترك بين الضحية والجلاد.. إننا نألم كما يألمون   ..

ألم هنا وألم هناك ولكنه ألم غير الألم .. ألم مختلف

هكذا شرد لوقت لايدري أطال به أم قصر .. كان يفكر في كل  هذه المعاني السامية الجميلة والصمت يلف المكان لحظتها ولج المكتب عدد آخر   من الجلاوزة… قال أحدهم بغلظة

“” ستوقع على هذه الورقة .. إنه إلتزام..

  إلتزام بالصمت.. ثم ستعود الى القبو “””

استرسل في لهجة مراكشية مميزة في نوع من السخرية الرخيصة

“” لا تكلم  أحدا في العنابر لاتتحدث مع أي معتقل لا في السياسة ولا الدين ولا الكرموس..3 لاتنصح أحدا .. الخلاصة ممنوع التحريض

ما تدويش مع حد فهمتي..””4

ثم أردف قائلا بصوت الحيات

“” احنا ماشي في دار غفلوووون””5

ثم إقترب إلى أذنه أحدهم وهو يردد بصوت أشبه بنخامة قذرة

“” يا عزيزي المعتقلون عندنا لايعرفون شيئا عن الإعلام والحقوق والإضراب والأوراق والنضال …

الاضراب عن الطعام ممنوع الحديث عن الحقوق ممنوع العمل النقابي ممنوع…””

تناول الوصلة الرخيصة صوت ثالث  حاد النبرة

“” الحبس هذا ..  ماشي اوطيل … فهمتي “”

إجتاحته في تلك اللحظة موجة داهمة من الحزن العميق.. لم يعطي لنفسه فرصة للتفكير قال بهدوء كهذا بدت كلماته

“” لن أوقع وكفى “”

إلتف حوله رجال الخوف والفزع”” اصحاب الوقت””6 حتى أصبح داخل دائرة مغلقة

تحطمت كافة محاولاتهم على صخرة الإهمال الباردة والصمت القاتل وعدم الإكتراث.. ثم توثبوا لمحاولة من جديد

“” سوف توقع غصبا عنك رغما عن أنفك””

تدافعت الأيدي القذرة نحوه كانوا  يتسابقون كأنهم في حلبة منافسة..  هكذا تناوبته الصفعات والركلات والشتائم.

قساوة اللطمات ترنح لها الجسد المكدود…

قال الجلاد وكأنما إنزاحت عنه ظلمة قاتلة

“” كفوا  أيديكم ..””

وأردف  بصوت الافعى  بسخرية

“” كفى الله المؤمنين شر القتال.”” وجدتها “”

وكأنه يعلن عن لحظة الإنتصار وبنشوة غامرة قال بمكر

“” غادي تبصم…””7

ثم أضاف بخسة منقطعة النظير

“” البصمة  أحسن “”

السجن المركزي القنيطرة

 

1

عامية مغربية قاسح يعني صلب

2

الدكاكا  عامية تعني السجن

3

الكرموس عامية تعني التين

4

لاتتكلم

5

دار الغفلة

6

اصحاب الوقت هم الزبانية

7

ستبصم

 

* تاريخ النشر 25 أكتوبر 2014

 

 

Continue Reading
شارك برأيك هنا

اترك تعليقك هنا

Your email address will not be published. Required fields are marked *

More in مقالات

CONTRIBUTORS

To Top